·        فصل : متاع الغرور

  من تفكر بعواقب الدنيا ، أخذ الحذر ، و من أيقن بطول الطريق تأهب للسفر . ما أعجب أمرك يا من يوقن بأمر ثم ينساه ، و يتحقق ضرر حال ثم يغشاه ! و تخشى الناس و الله أحق أن تخشاه .
   
تغلبك نفسك على ما تظن ، و لا تغلبها على ما تستيقن . أعجب العجائب ، سرورك بغرورك ، و سهوك في لهوك ، عما قد خبىء لك . تغتر بصحتك و تنسى دنو السقم ، و تفرح بعافيتك غافلاً عن قرب الألم . لقد أراك مصرع غيرك مصرعك ، و أبدى مضجع سواك ـ قبل الممات ـ مضجعك . و قد شغلك نيل لذاتك ، عن ذكر خراب ذاتك :
   
كأنك لم تسمع بأخبار من مضى       و لم تر في الباقين مايصنع الدهر
   
فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم       محاها مجال الريح بعدك و البقر !
   
كم رأيت صاحب منزل ما نزل لحده ، حتى نزل ! و كم شاهدت والي قصر وليه عدوه لما عزل ! فيا من كل لحظة إلى هذا يسري ، و فعله فعل من لا يفهم لو لا يدري ...
   
و كيف تنام العين و هي قريرة ؟       و لم تدر من أي المحلين تنزل ؟

 

·        فصل : الحزر طريق السلامة

   من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة . و من ادعى الصبر ، و كل إلى نفسه .
   
و رب نظرة لم تناظر ! و أحق الأشياء بالضبط و القهر : اللسان و العين . فإياك إياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى ، مع مقاربة الفتنة ، فإن الهوى مكايد .
   
و كم من شجاع في صف الحرب اغتيل ، فأتاه ما لم يحتسب ممن يأنف النظر إليه ! و اذكر حمزة مع و حشي .
   
فتبصر و لا تشم كل برق       رب برق فيه صواعق حين
   
و اغضض الطرف تسترح من غرام       تكتسي فيه ثوب ذل و شين
   
فبلاء الفتى موافقه النفس       و بدء الهوى طموح العين

 

·        فصل : لا تأخذك العزة بالاثم

   أعظم المعاقبة ألا يحس المعاقب بالعقوبة . و أشد من ذلك نفع السرور بما هو عقوبة ، كالفرح بالمال الحرام ، و التمكن من الذنوب . و من هذه حاله ، لا يفوز بطاعة . و إني تدبرت أحوال أكثر العلماء و المتزهدين فرأيتهم في عقوبات لا يحسون بها و معظمها من قبل طلبهم للرياسة .
   
فالعلم منهم ، يغضب إن رد عليه خطؤه ، و الوعظ متصنع بوعظه ، و المتزهد منافق أو مراء . فأول عقوباتهم ، إعراضهم عن الحق شغلا بالخلق . و من خفي عقوباتهم ، سلب حلاوة المناجاة ، و لذة التعبد إلا رجال مؤمنون ، و نساء مؤمنات ، يحفظ الله بهم الأرض ، بواطنهم كظواهرهم ، بل أجلى ، و سرائرهم كعلانيتهم ، بل أحلى ، و هممهم عند الثريا ، بل أعلى .
   
إن عرفوا تنكروا ، و إن رئيت لهم كرامة ، أنكروا . فالناس في غفلاتهم ، و هم في قطع فلاتهم ، تحبهم بقاع الأرض ، و تفرح بهم أملاك السماء . نسأل الله عز و جل التوفيق لاتباعهم ، و أن يجعلنا من أتباعهم .

 

·        فصل : كمال العقل

   من علامة كمال العقل : علو الهمة ! و الراضي بالدون دنيء ! !
   
و لم أر في عيوب الناس عيباً       كنقص القادرين على التمام

 

 

·        فصل : يحبهم و يحبونه

   سبحان من سبقت محبته لأحبائه ، فمدحهم على ما وهب لهم ، و اشترى منهم ما أعطاهم ، و قدم المتأخر من أوصافهم ، لموضع إيثارهم ، فباهى بهم في صومهم ، و أحب خلوف أفواههم . يا لها من حالة مصونة لا يقدر عليها كل طالب ! و لا يبلغ كنه وصفها كل خاطب .

 

·        فصل : ضع الموت نصب عينيك

    الواجب على العاقل أخذ العدة لرحيله ، فإنه لا يعلم متى يفجؤه أمر ربه ، و لا يدري متى يستدعى ؟
   
و إني رأيت خلقاً كثيراً غرهم الشباب ، و نسوا فقد الأقران ، و ألهاهم طول الأمل .
   
و ربما قال العالم المحض لنفسه : أشتغل بالعلم اليوم ثم أعمل به غداً ، فيتساهل في الزلل بحجة الراحة ، و يؤخر الأهبة لتحقيق التوبة ، و لا يتحاشى من غيبة أو سماعها ، و من كسب شبهة يأمل أن يمحوها بالورع .
   
و ينسى أن الموت قد يبغت . فالعاقل من أعطى كل لحظة حقها من الواجب عليه ، فإن بغته الموت رؤى مستعداً ، و إن نال الأمل ازداد خيراً .

 

·        فصل : من أعمالكم سلط عليكم

   خطرت لي فكرة فيما يجري على كثير من العالم من المصائب الشديدة ، و البلايا العظيمة ، التي تتناهى إلى نهاية الصعوبة فقلت : سبحان الله ! إن الله أكرم الأكرمين ، و الكرم يوجب المسامحة .
   
فما وجه هذه المعاقبة؟
   
فتكفرت ، فرأيت كثيراً من الناس في وجودهم كالعدم ، لا يتصفحون أدلة الوحدانية ، و لا ينظرون في أوامر الله تعالى و نواهيه ، بل يجرون ـ على عاداتهم ـ كالبهائم .
   
فإن وافق الشرع مرادهم و إلا فمعولهم على أغراضهم . و بعد حصول الدينار ، لا يبالون ، أمن حلال كان أم من حرام . و إن سهلت عليهم الصلاة فعلوها ، و إن لم تسهل تركوها . و فيهم من يبارز بالذنوب العظيمة ، مع نوع معرفة الناهي . و ربما قويت معرفة عالم منهم ، و تفاقمت ذنوبه ، فعلمت أن العقوبات ، و إن عظمت دون إجرامهم . فإذا وقعت عقوبة لتمحص ذنباً صاح مستغيثهم : ترى هذا بأي ذنب ؟ و ينسى ما قد كان ، مما تتزلزل الأرض لبعضه .
   
و قد يهان الشيخ في كبره حتى ترحمه القلوب ، و لا يدري أن ذلك لإهماله حق الله تعالى في شبابه . فمتى رأيت معاقباً ، فاعلم أنه لذنوب .